أخبار سياسية  ومنوعات   للإتصال بالفرسان مواقع صديقة إنضم للجمعية نشاطات الفرسان عن الفرسان الرئيسية

 

 

 

    

جدل الفكر وجدل الواقع في كتاب

 " نحو تجديد الفكر القومي"

للدكتور رفعت الأسد

 

 

 

 

 

بقلم حسن السوسي

 

كل فكر حقيقي هو فكر حي، وكل واقع حقيقي هو واقع حي. ولا يمكن للجمود والتكلس والموت أن يشكل دليلا لا على حياة الفكر ولا على حيوية الواقع للفكر حركته التي يتميز بها عما عداه، كما للواقع حركته الخصوصية التي تضفي عليه معقوليته الخاصة. والحركة توتر وتفاعل، تجاذب وتنابذ، بين الحدود القصوى، حيث التخوم بين الواقع والفكر هلامية الملامح، غير محددة المعالم، وغير واضحة القسمات، لأن دوائر الواقع ودوائر الفكر رغم ما تتمتع به من استقلالية نسبية، غير منعزلة تماما بعضها عن البعض الآخر، بل إنها تتداخل، عادة، فيما بينها، عند نقاط معينة، وتتقاطع على أرضيات، متحركة، غير ثابتة، تتسع، هنا، وتضيق هناك بحسب قوة جذب الفكر أو الواقع، ودرجة نضج وتلاحم عوامل الدفع لدى ما اصطلح عليه بالواقع، تارة، أو الفكر، تارة، أخرى. وتعبر الأزمة عن الخلل في هذه العلاقة بحيث يتطلب الأمر التدخل المباشر، وغير المباشر، عبر المؤسسات التي عادة ما تقوم بدور تحقيق التوازن، والضبط، الضروري، لتجاوز الأزمة، والتقليص من مفاعيلها السلبية على الفكر الموجه، كما على الواقع الذي تجري ضمن شروطه الممارسة بمختلف تجلياتها ووتائرها.

 

بهذا المعنى، فإن الجسور المفهومية الواصلة بين الفكر والواقع تظل قائمة، في كل الأحوال، ولو كانت غير منظورة بالنسبة للتفكير البسيط، الذي لا يرى غير القطائع، بين مستوى الفكر ومستوى الواقع. ولعل أهم ما يميز النظرية المعرفية، الحقيقية، هو قدرتها على تصور الواقع والفكر في حركيتهما واحتضانهما بما يعتمل داخلهما من تعارضات وتناقضات هي التعبير عن الحياة التي تدب فيهما وفيها، والتي ينبغي الحرص على استمرارها كي لا يتحول الفكر أو الواقع أو هما معا، إلى مقولات جامدة تنم عن الموات. الأمر الذي يفقدها الفعالية، ويجعلها في منأى عن التأثير على الواقع وعلى الفكر في مجراهما الطبيعي والعادي.

 

إن إمعان النظر في مختلف المقولات التي تناولها كتاب "نحو تجديد الفكر القومي" بالتحليل يجعل المرء يقف، لا محالة، على هذا الترابط الحي بين المقولات، وما تكثفه من دلالات على أن العلاقة بين حركة الفكر وحركة الواقع غير قابلة للنفي والتجاهل، على الرغم من أن عنوان الكتاب في حد ذاته عنوان ينتمي في منطوقه إلى مجالات الفكر والمعرفة، ذلك أنه يغطي في مفهومه مختلف مجالات الواقع والممارسة لأن الفكر القومي هو دليل عمل وليس ترفا، من أي نوع كان.

 

وهذا هو الذي يفسر كيف أن مفاهيم الحرية والعدل والسلام والقومية كائنات معرفية، متحركة، بقدر ما هي تكثيف لواقع حي لا يكتسب أي فعالية إذا لم يكن حاملا لها وبها. وبذلك، فإنها تشي بتجذرها التلقائي في ذلك الواقع باعتبارها ملازمة للإنسان، ماضيا وحاضرا، واقعا أو تطلعا. فالانسان هو الانسان الحر، او الذي يكافح من أجل الحرية أو يدافع عنها ولا حرية بلا عدل لأن الظلم والطغيان ينافي الحرية. كما أنه لا حرية ولا عدل مع انتفاء شروط السلام، السلام الاجتماعي الذي يفترض بدوره العدل والحرية، والسلام الوطني الذي لن تقوم له قائمة إذا انتفى عامل من عوامل الحرية والعدل، والسلام العالمي الذي من متطلباته احترام كرامة الشعوب وسيادة الأمم . وبطبيعة الحال، فإن قوام القومية لا يستقيم إلا إذا تماسكت مفاهيم الحرية والعدل والسلام وتضافرت في تفاعلها المستمر داخل هذه البوتقة ذات المرجعية الأصلية والأصيلة الفريدة، أي المرجعية الآدمية بما توحي إليه من شمولية وصفاء يقطع مع كل التصورات المجتزأة للقومية وتقحمها في مآزق العرقية والعنصرية.

 

إن استقلالية المفاهيم النظرية واكتسابها حياتها الخاصة التي لا توحي، لأول وهلة، انها ليست ذات ارتباط بالواقع، أي واقع، لا تعني أنها مقطوعة الجذور والأواصر وليست ذات علاقة ما بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

 

فالحرية أفق. أو هي إن شئت معركة أفق أي إنها ليست معركة محدودة في الزمان والمكان، ليست معركة قومية دون أخرى، وليست هم جيل دون آخر، وإنما هي معركة الانسان بما هو كذلك بغض النظر عن انتمائه الاجتماعي، وارتباطاته السياسية، وتصوراته الفكرية والإيديولوجية.

 

أما العدل فأساس، قاعدة، وجذر، يؤمن سلامة كل الصروح التي يمكن أن تبنى عليه، في الواقع. إنه الخلفية الحاضرة، والسند الساهر على كل توازن مثمر، أخلاقيا، واجتماعيا، وسياسيا

والسلام، في سياق هذه القراءة، هو الإطار والمظلة التي على مدى سعته وشموليته، وعلى مدى علو سقفها يكون العدل أوسع وأشمل وأمتن. أي أن كل ضيق في الاطار، وانخفاض في السقف يؤدي حتما إلى نتائج سلبية على كل الأبعاد الأخرى للاجتماع البشري.

ولعل هذا ما يبرر النظر إلى هذا الكتاب باعتباره نظرية أو منظومة معرفية. والحديث عن المنظومة هنا يحيل إلى المعنى الذي يعطيه ادغار موران لهذا المفهوم بحيث تعني " نوعا من العلاقة المنطقية، والتي تتضمن في آن معا حدود الدمج والوصل والفصل والإقصاء، بين عدد معين من المفاهيم أو المقولات الرئيسية. إن دور المنظومة في هذا المجال يكمن في منحها الأولوية لبعض العلاقات المنطقية، على حساب أخرى، وهي لذلك، أي لهذا السبب بالذات تقوم بمراقبة منطق الخطاب الذي يعتمد تلك المفاهيم والمقولات والدلالة التي تكتسبها تلك المفاهيم والمقولات في الخطاب المعتمد على أساسها في الوقت ذاته. فإذا كان الهم هو بلورة نظرية للتغيير، فإن المراقبة تعني في هذا السياق العمل على أن يكون الخطاب من جنس المهمة الاستراتيجية المنوطة به لا أن يكون مناهضا لها. التجديد مشروط بإنجاز التغيير، والتغيير يحتاج إلى نظرية معرفية ملائمة، ولا نظرية معرفية إذا لم تكن المفاهيم التي تستخدمها مفاهيم متحركة، ذلك أن المنظومة لا تعني أي نوع من الجمود والستاتيكية لأنها تتحرك في سياق الفكر المركب والتركيبي، وهو يذكر الجميع بأنه لا ينبغي نسيان أن الواقع متحول، بطبيعته، وان الجديد يمكن أن ينبثق، وينبثق بدون توقف.

إنها تتضمن إذن نوعا من الحذر المنهجي الضروري لتفادي الانزلاقات الممكنة سواء نحو الجمود والتكلس، أو نحو التهور وحرق المراحل الذي يصبح في الواقع نوعا من القفز في المجهول. إننا هنا لسنا أمام برنامج سياسي للتطبيق والانجاز بل نحن أمام استراتيجيا فكرية ومعرفية تحدد الأفق وتنحت المفاهيم والأدوات القادرة على الفعل.

 

فهم الكتاب، كتاب "نحو تجديد الفكر القومي"، هم نظري معرفي، غايته الفعل في الواقع عبر تحويله، وتأمين تغيير ينشد إقامة مجتمع العدل والحرية والسلام دون أي انسلاخ عن الهوية القومية للأمة. لذلك، فإن دور المفاهيم، في المنظومة الفكرية والمعرفية للكتاب هو دور انتاج المعنى وتحديد بوصلة العمل. والحديث عن الواقع، هنا، ليس مقيدا بأي مباشرية تعيينية تحرم النظرية المعرفية من التحرك ضمن الأفق الأرحب والأوسع الذي هو أفقها بامتياز وإنما الواقع كناية عن الاجتماع البشري في عموميته وتنوعه حيث يمكن تفعيل مفاهيم الحرية والعدل والسلام والقومية في عملية التغيير باعتبارها مفاهيم إجرائية وأدوات في يد قوى النهضة والتغيير والتقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي أي أنها مفاهيم ليست محصورة ولا يمكن حصرها في وعلى واقع اجتماعي بعينه.

 

إن شمولية النظرية المعرفية تسمح بقراءات متعددة ويمكن اعتمادها في مقاربة أي واقع اجتماعي في سياق معطياته الخاصة والمقاربة هنا ليست معالجة ميكانيكية تلغي الخصوصيات التي تميز الواقع المعني بل إنها نوع من الرؤية والقيادة والتوجيه للممارسة على هذا المستوى أو ذاك.

 

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو حول هذا البعد الإجرائي في مفاهيم هي جزء لا يتجزأ من ترسانة نظرية معرفية قد ينظر إليها البعض على أنها مجردة، أو ضعيفة الارتباط بالواقع، العملي.

 

والواقع أن نمط اشتغال المفاهيم النظرية، والمعرفية لا يختلف في حقيقته عن نمط اشتغال الرؤى والتصورات عندما تصبح قناعات واعتقادا وايديولوجيا لدى القوى الاجتماعية التي تتصدى لعملية التغيير. فهي تلعب دور الهدف والوسيلة في آن واحد. فالحرية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والعدل باعتباره هدفا وتطلعا ليس مقطوع الصلات والأواصر مع تحقيق وإقامة أنظمة وقواعد للعدل في المجتمع. ويمكن قول نفس الشيء بالنسبة للسلام الذي يحتاج أول ما يحتاج إلى ثقافة السلام والتوافق ليصبح أساسا من أسس المجتمع الحر العادل.

 

الكتاب إذن مسكون بالهم النظري المعرفي، لكنه هم مفتوح على الواقع والممارسة بمعناها الواسع وهذه القصدية الصريحة هي ما يعنبر عنه عنوان الكتاب "نحو تجديد الفكر القومي" فقد حدد الغاية والهدف كما عين الموضوع لكن بواسطة عين المعرفية والنظرية

 

إن طرح مسألة النظرية المعرفية يؤدي حتما الى طرح مسألة الجدوى بالنسبة للنقاش النظري المعرفي المرتبط بجدل الفكر وجدل الواقع في كتاب " نحو تجديد الفكر القومي للدكتور رفعت الأسد رئيس التجمع القومي الموحد.

 

وفي محاولة لبحث هذه العلاقة ولو بشكل أولي سأنطلق  من مقدمات أوجزها فيما يلي:

 

أولا، للنظرية حقلها، ومناهجها، وجهازها المفاهيمي، ومنطق خاص ينتظم خطابها، وضمن هذا الحقل، ووفق تلك المناهج، واستنادا إلى منظومة المفاهيم التي تحدد منطقها، وتضفي صفة التماسك، والتناسب، أو التفكك والتعارض، بين مكونات خطابها، يمكن طرح سؤال الجدوى. أي، ثانيا، ان قياس مردودية خطاب ما يقوم على ما يتحدد به ذلك الخطاب، على المستويات آنفة الذكر. ولا يمكن، بالتالي، البحث عنها في حقل آخر له خصوصياته ومحدداته ورهاناته وفرضياته الخاصة.

 

إننا إذا تحدثنا عن الجدوى على هذا المستوى فإننا نتحدث لا محالة عن الجدوى الفكرية والنظرية. وهي مؤطرة بأسئلة من جنس الفكر والنظرية والمعرفة من شاكلة: ما هي الإضافة النوعية للعمل المنجز مقارنة بوضع الحقل المعني قبل تدخل الفكر الجديد فيه بالنقد والتحليل والتطوير.

 

وهنا يمكن النظر إلى الكتاب، كتاب " نحو تجديد الفكر القومي" للدكتور رفعت الأسد في ضوء سؤال الإضافات على مستوى الحرية والعدل والسلام والقومية. ذلك أن هناك سؤالا ضمنيا أو صريحا ينطلق منه كل خطاب نظري، كما أن هناك نوعا من وصف الحالة القائمة ونقدها في آن واحد، وعلى نوع من الجواب عن هذا السؤال والصيغة التي يتخذها ذلك الوصف يكون الاسهام النظري المعرفي لكل مساهمة من هذا الصنف.

 

فما أن يتم الخلط، ثالثا، بين المستويات والحقول حتى نجابه بعدد من النتائج المفارقة، وأولها استحالة القراءة، لاستحالة الفهم انطلاقا من مفاهيم غير مطابقة لمتطلبات فك رموز الخطاب الذي تسربت إليه عوامل العتمة حيث كان من المفترض أن يسود البيان والوضوح، بل أكاد أقول الشفافية.

 

رابعا، للسياسة منطقها ولغتها ورهاناتها الخاصة منذ أن أصبحت علما مستقلا عن الأخلاق وعن الفلسفة بما في ذلك ما يسمى بالفلسفة السياسية، بل وللسياسة منطق يختلف في جوهره عن منطق النظرية السياسية. فرهانات هذه لا تتطابق مع رهانات تلك، حتى في الوقت الذي يمكن فيه القول انه لولا وجود إحداهما لما كان ممكنا وجود الأخرى، لكن العلاقة القائمة بينهما على مستوى شرط الوجود لا يجعل بينهما وبين رهاناتهما أي شكل من أشكال التماهي والتطابق الكلي.

 

خامسا، سؤال الجدوى في الممارسة ذو طابع كمي بالضرورة سواء عندما يتم ربطه بطبيعة العلاقة بين البرنامج السياسي ومنجزات الممارسة أو تم قياس التحرك الجماهيري الواسع بالحصاد الفعلي على مستوى تحقيق المطالب أو إفشال خطط ومشاريع الحكام.

 

سادسا، الأهداف في العمل السياسي أهداف ملموسة تصاغ في جملة من المطالب، ويمكن تصورها ضمن عدد من السيناريوهات وفق الحالات العينية وطبيعة القوى الفاعلة على مسرح الحياة السياسية وطبيعة تدخلها وموازين القوى الفعلية بين حاملي البرامج المتنافسة أو المتصارعة على الحكم والسيادة في المجالات التي يغطيها ويشملها العمل السياسي.

غير أن هذه الإمكانية معدومة تماما بالنسبة لقضايا الفكر والنظرية، ذلك أن المنهجيات والفرضيات التي يتم تجنيدها في هذا المجال هي من طبيعة أخرى، وبالتالي فإن مفاهيم مثل توازن أو موازين القوى أو صراع البرامج ليست ذات موضوع في الحقول النظرية والمعرفية. مثلها في ذلك مثل مفاهيم الاستفتاء وصناديق الاقتراع واستطلاعات الرأي لتحديد وقياس درجات الانخراط في العمليات المختصة بالحقل كما هو الشأن في العمل السياسي.

 

سابعا،كانت هناك بعض التوجهات لدى دارسين ينتمون إلى الحقل الماركسي الدوغمائي تعتبر أن مفهوم الصراع الطبقي هو المفهوم المفتاح لقراءة الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي بل والعلمي ذاته. إن مفهوم الصراع الطبقي عند هؤلاء مفهوم يخترق كل مجالات النشاط الانساني دون استثناء. وقد أقاموا ما سموه صروحا للعلم البورجوازي في مقابل العلم البروليتاري، فحصروا في الصنف الأخير كل الأبعاد العلمية الحقيقية في رأيهم ناعتين ما اعتبروه العلم البورجوازي بكل صفات الزيف والخداع والمكر الطبقي.

 

ومن الواضح أن هذا التصور يرتكب أكثر من خطأ بل وحماقة في آن واحد:

 

الخطأ الأول الانطلاق من تصور اختزالي للواقع والفكر يجعل السياسة كلية القدرة وأن بإمكانها بالتالي اختراق والهيمنة على كل الحقول الأخرى انطلاقا من مبدأ " كل شيء هو سياسي". وقد تبين بالملموس سذاجة هذا التصور وتوتاليتارية هذا الموقف الذي حط من قيمة العلم والنظرية ودفع إلى ابتذالهما.

 

الخطأ الثاني هو رفع مفهوم الصراع الطبقي إلى مستوى يصبح فيه المفهوم المفسر لمجمل التاريخ البشري والبحث عن تجليات هذا الصراع حتى في الميادين والمجالات التي لا تدخل في نطاق التفاعلات والتعارضات الاجتماعية والسياسية كما هو شأن ميدان العلم حيث التصنيف التبسيطي الذي أشرنا إليه بين علم بورجوازي وعلم بروليتاري مزعومين.

 

إن النزعة التوتاليتارية عندما وضعت في موقع الصدارة مفهوم الصراع الطبقي قد حاولت، في الواقع، أن تضفي نوعا من المشروعية الميتافيزيقية على هذا المفهوم وتتصرف كما لو كان قادرا على استيعاب الكلية الاجتماعية والفكرية. وبما أن هذه النزعة تعتبر الحزب الشيوعي الستاليني السادن الوحيد لهذا المفهوم، فإنها تعتبر أن كل ما لا يتطابق مع تصور الحزب مجرد انحراف وهرطقة ايديولوجية ينبغي محاربتها دون هوادة.

 

وهكذا تم إغلاق كل أبواب الاجتهاد الفكري والنظري بل والعلمي الذي أصبح يقاس ويقوم بمدى ملاءمته وخدمته للطبقة العاملة التي يتم اختزالها في الحزب وزعيمه بعد اختزال المجتمع ومصالحه في الطبقة. هكذا تتم التضحية في الواقع بالعلم والطبقة والمجتمع لأنها تصبح مقولات فارغة من أي مضمون اللهم ما تسوغه من تسلط بعض القيادات الحزبية على مجمل الحياة أي أن الطبقة في هذا التصور مجرد ذريعة بينما العلم مجرد تضليل إيديولوجي.

 

وإذا تأملنا في المنظومة المعرفية في كتاب " نحو تجديد الفكر القومي" للدكتور رفعت الأسد فإنه يمكن تقديم الملاحظات الأولية التالية، وهي مرتبطة كلها بمفاهيم ومقولات الحرية والعدل والسلام والقومية لأن الهدف في هذه المحاولة هو إبراز ما يميز بين المستويات النظرية عن المستويات السياسية، وما يميز بالتالي بين سؤال الجدوى في مجالي النظرية والممارسة السياسية العملية.

 

 

فلو كان مفهوم الحرية في الكتاب مطابقا ومحددا في الحريات الفردية والعامة على كثرتها وتنوعها لفقد المفهوم انتماءه إلى النظرية المعرفية، ولأصبح مجرد مفهوم سياسي ضمن مفاهيم أخرى تخضع للمد والجزر الذي تعرفه الحياة السياسية بمعناها المباشر.

 

ولوكان مفهوم العدل في كتاب "نحو تجديد الفكر القومي" ينحصر في قضايا العدالة والقضاء والمحاكم التي عليها أن تبت في قضايا النزاع بين الموطنين تحقيقا للانصاف، أو تعلق ألأمر بمسألة التوزيع العادل للثروة والخيرات لتخلى عن بعده المفهومي النظري والمعرفي لينكفىء في إطار المساطر القانونية وأشكال التنظيم القضائي التي يعتمدها هذا المجتمع أو ذاك.

 

ولو أن مفهوم السلام في هذا الكتاب خرج عن دائرة انتمائه المفهومي المعرفي العام ليؤطر بمفاهيم التهدئة الاجتماعية والاستقرار السياسي لانخرط في مجال السياسات في ابعادها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية

ولو كانت القومية، أخيرا، قومية بعينها وليست مفهوما، عاما، وشاملا، كما هو الأمر في الكتاب، لما استطاعت أن تكون بوثقة للحرية والعدل والسلام كما جاء في رسالة الدكتور رفعت الأسد إلى الطاولة المستديرة. أي لتحولت إلى عبارة عن قومية بعينها ولحصرت نفسها في خصوصياتها التي قد لا تشترك مع غيرها فيها لعوامل التطور التاريخي أو الثقافي أو السياسي العام المرتبط بالتجارب الملموسة.

 

إن سؤال الجدوى، هنا، إذن، هو سؤال يرتبط بإسهام الكتاب في تجديد الفكر القومي والجهاز المفاهيمي الذي تتم مقاربته به. ويمكن القول، هنا إن الكتاب قد أعاد بعث الحياة في مفاهيم ران عليها الجمود بحيث أعاد تشذيبها، وصقلها لتستعيد طابعها المعرفي النظري دون أن تفقد قدرتها الإجرائية في مقاربة الواقع بمختلف أبعاده النظرية والمعرفية، الملموسة والرمزية.

 

خلاصة القول: إن الجدوى النظرية والمعرفية تكمن في بلورة اطار عام يشكل قاعدة لرؤية التغيير السياسي وموجها للممارسة على مختلف مستوياتها من أجل بناء مجتمع سوي أركانه العدل والحرية والسلام وإعلاء راية القومية ببعدها الانساني الآدمي حفاظا على الهوية وحفزا على الابداع في مختلف مجالات الفكر والممارسة.

ولعل هذه هي إحدى الرسائل التي يتوجه بها كتاب" نحو تجديد الفكر القومي" إلى كل ممارس في حقول المعرفة النظرية والممارسة السياسية خاصة في مناطق القلاقل الفكرية والجيوساسية مثل منطقتنا الحبلى بالمخاطر والتحديات. وهي في هذا السياق تشكل نوعا من المختبر بالنسبة لمناطق أخرى وشعوب ذات تجارب قد تبدو مباينة لها على هذا المستوى أو ذاك، لكن امعان النظر في روح الكتاب ومفاهيمه ينم عن كونه قد أخذها بعين الاعتبار في المنطلق كما في النتائج.

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لـ "جمعية الفرسان الخيرية" - لبنان