|
" تحية إكبار لكل الذين يهتمون بأسمائهم
وعناوينهم وانتمائتهم ، وتحية إجلال لكل العاملين لنهضة
الكون ولعالميته ، تحية لكل الناهضين من اجل السلام
والحرية ، لكل الذين امنوا بالعدالة طريقا خالدا للوجود ،
لكل الذين وقفوا ولم يتخلوا رغم ما عصفت به الريح من
حيويتهم التى شكلت الدعامة الأهم فى وجه هذه الرياح
العاتية الهوجاء ، تحية لكل المشاهدين والمشاركين الأعزاء
فى هذه الحوارات الغنية ، أما بخصوص التساؤل حول عدم
مشاركة الإخوة الأكراد في ندوة القاهرة فان التجمع القومي
الموحد عمل جادا على استدعاء بعض الكوادر للمشاركة فى
الندوة ، وبالفعل كانت هناك استجابة من عدد منهم غير إن فى
اللحظة الأخيرة تخلفوا عن الحضور لأسباب لا يد فيها للتجمع
القومي الموحد ، وقد كان ممكنا إن يشارك في الندوة اى قومي
دون استثناء ، وليس الإخوة الأكراد فحسب ، لأن موضوع
الندوة أوسع وأرحب ليستوعب مختلف التيارات السياسية
والفكرية والقومية ، لكن لنكن واقعيين ولننظر الى ما هو
متاح فى هذا السياق يمكن اعتبار أن النموذج العربي هو
الحالة الحقيقية الموجودة على ارض الواقع ، ومن هذا
المنطلق ينبغى النظر اليها باعتبارها المختبر ، وعلى الرغم
من إن الندوات التى تعقد هنا او هناك عربية فإن هذا لا
ينفى كون العرب منفتحين على العالم ، ولا يميزون انفسهم عن
احد ، لقد جرت محاولات كثيرة لتشويه موروثهم التاريخى وهو
موروث تعود جذوره إلى ما قبل الأديان السماوية التوحيدية
ويتمحور هذا الموروث حول الحرية والسلام والعدل ، وهى قيم
مرتبطة بنمط عيش العرب وحياته خاصة بسبب انتشاره في الآفاق
الواسعة لحياة البداوة ، حيث عشق الحرية من طبيعة الأشياء
وحيث التعلق بالمساواة والعدل جزء صميمي من مقاومة كل
اسباب القهر وذلك قبل ظهور الأديان ذاتها ، الندوة بهذا
المعنى نموذجية لمشروعية المشروع العربي ، لان المساهمين
فيها يمثلون هذا المشروع فى تنوعه خاصة إنها تمحورت حول
قضايا نظرية ومعرفية ذات البعد الانسانى ، وحيث العرب
مدعوين فى وضعهم الحالى الى مواجهة اختبار حقيقى ، وبطبيعة
الحال فان التجمع القومى الموحد يدعو كل القوميات ، بما هي
كذلك ، للدخول الى هذا المختبر النظري المعرفى لاثبات
قوميتها واعادة لحمها بمختلف ابعادها التى تستمدها من
الاصل اصلها الادمى ذلك إن القومية ليست ذات جامدة متحجرة
، وانما هى ذاتية الحركة تعتمد داخلها عناصر التطور
والتحول باستمرار ، وتوقف هذه الحركة يعني تدشين مسار
الانحصار فالاندثار ، هى قدر الأمة ، والأمة قضاء القومية
والعلاقة جدلية بين هذين الحدين ، حد القضائي والحد القدرى
، القدر حالة من الجمال والإلهام يضخ فى الأمة التى تتيح
من جهتها للقدر تحويل ينابيعه لتغذية شرايينه الحيوية
ابداعات وجمال ، هناك مفاهيم تعرضت للتشوش النظري المعرفي
، حيث يتم الخلط بين الوطنية والدولة والأمة ، وهى قضايا
تستدعى وقفات شاملة وعميقة ، ولكننا نكتفى هنا بالاشارة
الى بعض العناوين الرئيسة التى يمكن إن تكون مداخل للبحث
والتفكير العميق ، فالوطن والوطنية حالة الارض التى تعيش
عليها الامة ، اما الدولة فهى ما اصطلح عليه وحصل الاتفاق
حوله وعليه ، بحيث لا يجوز إن تاخذ طابع التقليدي ويتم
اقامة نوع من التماهى بين الدولة والاعراف ، وبطبيعة الحال
فان الدولة امر مختلف عن الامة ذلك إن الامة ترى وتتصور
الدولة ، بما يتناسب مع مصلحتها ، اى إن المصلحة العامة هي
التى تؤسس صورة الدولة ، والدولة هى المسئولة عن تناسق
عناصر الأمة فى مشاريعها الروحية والإبداعية ، وبهذا
المعنى فان ليس هناك دولة محددة سلفا ولا يمكن النظر إليها
كما يتم النظر إلى ثوب مفصل بشكل نهائى ، بحيث يجب قبوله
وارتدائه كما هو ، بل يمكن للدولة إن تكون مختلفة لدى
القوميات الاخرى ، غير إن هناك قاسما مشتركا بين الدول
والأمم والأوطان هو قدرية الحياة وقدرية التعايش بين الناس
وقدرية الحنين والمحبة ، وعندما نعود الى قدر هذه الامة
نكون قد اعلنا الانتماء الحقيقية الى الحرية والنهضة ، وفى
هذا الاطار فان الانتماء الى ادم يعطينا مكنون جوهرى يمكن
اعتماده فيما نحتاج اليه ، إن النظام الاشتراكي والنظام
الليبرالى والديمقراطية بمختلف اشكالها تنطلق من دعاوى
انتاج الابداع والجمال ، وقد يعان نقيضهما هنا وهناك لكن
الحقيقة أنها كلها تنتج كما وليس نوعا ، اللهم إما نجده
عند بعض البرجوازية الصغيرة التى لديها هامش من الابداع
والتمييز وعلى هامش الحياة الديموقراطية ، لكن التساؤل
الذى يطرح نفسه هنا ، ما هو ما هو طبيعة هذا القدر الذى
يجسد حالة الانتماء التى لابد منها ، كى يؤدي دوره للدفع
بالأمة قدما للإطلاع بأدوارها إبداعا وخلقا وحرية و عدلا
وسلاما ، ينبغي هنا تجاوز كل التقنيات والعودة إلى حريته
الطبيعية الخام والخلقية ، لانه بدون ذلك يستحيل الإبداع ،
التقنية هنا هى الحائل بين الانسان والإبداع ، الحرية هى
الشىء الطبيعى المحض ، واذا كان العدل ذاتها القوية ، فإنه
لابد للحرية التى تشكل رأس النافذ لا بد لها من الحياة
خارج التقنية ، اما بخصوص المعارف التقنية والنظريات
الكونية والعلمية فانه ليس لدي التجمع القومى الموحد اى
اشكال معها ، اما موضوع الاديان فان الحديث فى العمق لا
يتعلق بدين بعينه ، و إنما يتعلق بالإيمان بالله باعتباره
حالة إنسانية عميقة وتجلىا من تجليات الحرية متى لم تقيضها
تقنية ما تفقدها حيويتها وإبداعاتها ، فالإيمان ضبط للنفس
البشرية كي تأخذ طاقة معينة لإخصاب الخيال ، أن الإيمان
ينشط ويعزز ويضفي المعقولية على الخيال ، الإيمان مسألة
نراها فى الأفق البعيد المعرفة التبعية هو اللانهائي ، هو
المطلق المعرفي إن التعرف على المطلق ليس بسيطا ، بل هو من
التعقيد بحيث يكون الإيمان وحده الوسيلة الناجعة فى تخيله
، انه موجود ليس بما نقل الينا بل إننا مازلنا فى بداية
المعرفة بالمطلق ، والمطلق مازال يشكل امر غير جاد ، رغم
انه ليس جديد ليس هناك الجدية اللازمة للانطلاق نحو
المعرفة الكلية ، بسبب ضعف الايمان بالله الذى تشكل رحلة
الوصول اليه رحلة الايمان المغمور والمشبع بالحرية التى لا
تشوبها شائبة ولا تعتريها شيء ، و كلما تم تجاوز الخلافات
على مستوى الإيمان كلما كان التقدم ثابتا وسريعا نحو
الخالق ، اذ لا احد يتخلف عن خالقه ، وما الاختلاف على
اساس التعصب لدين او خر الا عقبته وحجرة عثرة حقيقية امام
التقدم المعرفي نحو المطلق نحو الله تعالى ، اما عن الإخوة
الأكراد الذين لا يتناون لحظة واحدة عن طرح ما يأملون فيه
و يطمحون إليه ، فهو الدليل القاطع عن الحيوية القومية لدى
هذا الشعب ، وهى تشير حقيقة الى اشياء كثيرة يتقدمها
ويهديها قدره القومي ، ونحن فى التجمع القومي الموحد ، وفى
نظريتنا ندرك بالتأكيد كيف اندثر وانغرست قوميات كثيرة ،
وبالتالى فإن مشروعنا يأخذ بالذات القومية الحيوية التى
صمدت فى وجه عوامل التدمير ، فلتطمئن كل القوميات الاخري
بأننا سنشعر ان شىء مثل الزلازل قد حدث عندما نرى إن هناك
محاولة قصرية لتقييد حركة قومية من القوميات او تغييبها
نحن معنيون باستحضار الحالة القومية وبدعمها أينما كانت ،
ونحن ايضا معنيون بمحاربة الجهة التى تعيق التقدم المعرفي
نحو القومية ، نحن نقول إن الحالة القومية موجودة غير أنها
غير مفهومة بالشكل الكافي والضروري ، إننا نطرح مفاهيم
العدل والحرية والسلام باعتبارها مفاهيم مترابطة في نقطة
عقدية تكون فيها كل شيء ضمن بوتقة واحدة هي بوتقة القومية
، وإنكار واحد من هذه المفاهيم لأركان القيم هو إنكار
للأخرى ، ولا مجال هنا لتفسير هذا الموقف وهذه الرؤية
بمفردات التعصب ذلك إن التعصب للنهضة والحضارة هو الوجود
ذاته والكينونة الإنسانية فى جوهرها أي هو تعصب للناس
دونما تمييز او استثناء وهو الذى يعطى المعنى لحياتى
ويشدني الى دلالاتها العميقة ، فتحية إكبار وإجلال لكم
جميعا .
الدكتور رفعت الاسد
رئيس التجمع القومى الموحد
|